أحمد بن محمد المقري التلمساني
5
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
النشاط ، مع الالتزام لمراعاة السياسة السلطانية والارتباط ، والتفتّ إليه فراقني منه صوان درر ، ومطلع غرر ، قد تخلّدت مآثرهم مع ذهاب أعيانهم ، وانتشرت مفاخرهم مع انطواء زمانهم ، نافستهم في اقتحام تلك الأبواب ، ولباس تلك الأثواب ، وقنعت باجتماع الشمل بهم ولو في الكتاب ، وحرصت على أن أنال منهم قربا ، وأخذت أعقابهم أدبا وحبّا ، وكما قيل : ساقي القوم آخرهم شربا ، فأجريت نفسي مجراهم في التعريف ، وحذوت بها حذوهم في بابي النسب والتصريف ، بقصد التشريف ، واللّه سبحانه لا يعدمني وإيّاهم واقفا يترحّم ، وركاب الاستغفار بمنكبه يزحم ، عندما ارتفعت وظائف الأعمال ، وانقطعت من التّكسّبات حبال الآمال ، ولم يبق إلّا رحمة اللّه التي تنتاش النفوس وتخلّصها « 1 » ، وتعينها بميسم السعادة وتخصّصها ، جعلنا اللّه ممّن حسن ذكره ، ووقف على التماس ما لديه فكره ، بمنّه . [ سعيد جد لسان الدين الأعلى ] محمد بن عبد اللّه بن سعيد بن عبد اللّه بن سعيد بن علي بن أحمد السّلماني ، قرطبي الأصل ، ثم طليطليه ، ثم لوشيّه ، ثم غرناطيّه ، يكنى أبا عبد اللّه ، ويلقّب من الألقاب المشرقية بلسان الدين . ( أوّليّتي ) يعرف بيتنا في القديم بوزير ، ثم حديثا بلوشة ببني الخطيب . انتقلوا مع أعلام الجالية القرطبية كيحيى الليثي وأمثاله ، عند وقعة الرّبض الشهيرة ، إلى طليطلة ، ثم تسرّبوا محوّمين على وطنهم قبل استيلاء الطاغية عليه ، فاستقرّ منهم بالموسطة الأندلسية جملة من النبهاء تضمّن منهم ذكر خلق ، كعبد الرحمن قاضي كورة باغة ، وسعيد المستوطن بلوشة « 2 » الخطيب بها ، المقرون اسمه بالتّسويد عند أهلها ، جاريا مجرى التسمية بالمركّب في تاريخ الغافقي وغيره ، وسكن عقبهم بها ، وسكن بعضهم منتقرير مملكين إياها مختطين جبل التحصن والمنعة فنسبوا إليها . وكان سعيد هذا من أهل العلم والخير والصلاح والدّين والفضل وذكاء الفطنة « 3 » ، أوقفني الوزير أبو الحكم بن محمد المنتقريري - وهو بقية هذا البيت وإخباريه - على جدار برج ببعض ربى أملاكنا بلوشة ، تطؤه الطريق المارة من غرناطة إلى إشبيلية ، وقال : كان جدّك يذيع بهذا المكان فصولا من العلم ، ويجهر بتلاوة القرآن ، فيستوقف الرفاق المدلجة « 4 » الحنين إلى
--> ( 1 ) تنتاش : تنقذ . ( 2 ) لوشة - بالفتح والسكون وشين معجمة - مدينة بالأندلس غربي إلبيرة قبل قرطبة منحرفة يسيرا وهي مدينة طيبة على نهر سنجل نهر غرناطة ، وبينها وبين قرطبة عشرون فرسخا ، وبين غرناطة عشرة فراسخ ( انظر معجم البلدان لياقوت ج 5 ص 26 ) . ( 3 ) في ب « وذكاء الطعمة » وفي ج « وزكاء العظمة » وفي الإحاطة « وزكاء العمة » . ( 4 ) المدلجة : السائرة بالليل كله أو آخره .